السيد محمد حسين فضل الله

188

من وحي القرآن

وتنطلق الصورة من جو الإيمان إلى جوّ الممارسة . . . فها هم المؤمنون يشعرون بأن الإيمان موقف طاعة ، فإذا سمعوا شيئا من وحي اللَّه في آيات القرآن ، أو في شريعة الرسول في سنته ، قالوا سمعنا ، فلا ينكرون الحقيقة التي سمعوها ، وقالوا أطعنا ، فلا يكتفون بالإيمان كفكر يعيش في عقولهم ، بل يعتبرونه خطا للحياة العملية تتحرك فيه كل مشاريعهم ، ليكون الإيمان موقفا ، لا مجرد حالة نفسية تكمن في أعماق الشعور . . . إنه موقف العبودية الخالصة والخشوع الكامل أمام عظمة اللَّه . . . سبحانك ربنا . . . وانطلاق مع فكرة البعث الذي يرجع فيه الإنسان إلى اللَّه في خط النهاية ، ليقف أمامه وقفة العبد الذي يواجه نتائج المسؤولية . . . وتتألق الصورة أكثر وتشرق في تصوير جوّ الابتهال الخاشع أمام اللَّه في ما يثقل ضمير الإنسان وقلبه ، وفي ما يحمل من تمنيات يقدمها إلى ربه ، فهو غير معصوم عن الخطأ ، فقد يخطئ مع اللَّه تحت تأثير نزوة أو شهوة أو غفلة ، فيحس بعد ذلك بثقل الخطأ على نفسه ، وهو غير معصوم من النسيان ، فقد ينسى مسئوليته أمام اللَّه في كثير مما يفعل أو يترك ، فيقع في الانحراف عن الخط العملي للشريعة ، فيثقله ذلك ويتعبه ويبعث اللوعة في نفسه ، فيتجه إلى اللَّه بالدعاء أن لا يؤاخذه على ما خالف به ربّه تحت تأثير الخطأ والنسيان . . . ويتمثل الإنسان المسلم - من جديد - تاريخ النبوّات السابقة وكيف كان اللَّه يحمل على عباده ثقلا في ما يكلفهم به ، وهذا هو معنى الإصر ، وذلك من خلال ذنب ارتكبوه ، أو عمل انحرفوا به ، فيتجه إلى اللَّه ليجنبه الوقوع في هذه التجربة الصعبة لئلا تتحول الصعوبة إلى حافز للمعصية تحت وطأة ضعف إرادة الإنسان . وكان التكليف آنذاك يتحرك بشكل تدريجي ، واستجاب اللَّه لهم